نبيل الكوميونيستا

أول ما نبيل دخل علينا، قعد قدام مالكولم إكس -واحد انت متعرفوش ومش حيفرق اسمه كتير، بس بما إنه بيفكرني بمالكولم إكس وهو بيتكلم فاحنا نسميه مالكولم إكس، حنخسر إيه يعني؟- وبدأ يتكلم عن إنه قابل محمد تشانج -واحد كمان انت متعرفوش، بس ده بقى أنا كمان معرفوش ومش فاكر نبيل قال اسم مين، فاحنا نقول محمد تشانج عشان دول أكتر اسمين مستخدمين في العالم فيبقى احتمال أكبر نجيب اسمه صح- وإنه اتكلم معاه عن امكانيات التعاون المشترك ما بين النقابات اللي هو بيشتغل معاها، ومابين مكتب العمال بتاع الإشتراكيين الثوريين. أول ما قال البقين دول، وباستخدام أقصى كمية تشويح بالإيدين شفتها، قال: “آه، وبالمناسبة، عشان نبقى صُرَحا مع بعض، أنا كوميونيستا مش سوشياليستا. انتو تروتيسكيستس أو لينينيستس -أنا شفت صورته برة- بس أنا كوميونيستا. عشان نبقى واضحين بس.”

مالكولم إكس رد عليه بدبلوماسية إن ده مش إشكال خالص، وإننا بنسعى للأممية وتحقيق الثورة العمالية في العالم كله مش في بلدنا بس. طبعا احتمال كبير جدا إن تكون -أيها القارئ العزيز- خلاص جبت آخرك، ولو انا مبدأتش أشرح أنا بتكلم عن إيه، حبدأ أحس بالإهانات فعلا عبر الأثير الإلكتروني، واحتمال ألاقي لعاب ملون طالع من الشاشة، وأسمع صوت رزعة التاب وهو بيقفل. نبيل ده شاب مصري عايش في إيطاليا، وبيقولها إيتاليا، بالتة يعني، وشغال في إتحاد نقابات عمالية بيرعى نضال العمال ويساعدهم. متقلقش، حنشرح يعني إيه بالظبط، لإنه موضوع مثير للإهتمام. اللي حصل إنه قابل المدعو محمد تشانج، وده واحد من الإشتراكيين الثوريين هنا في مصر، واتعرفوا في إيطاليا(إيتاليا)، وبالتالي لما نبيل نزل مصر، حب ييجي ويعمل موضوع التعاون المشترك اللي قولنا عليه. الموضوع سهل جدا وواضح جدا يعني، فكان لازم أبدأ من النص عشان أعقده.

نبيل بقى، زي ما قلنا شاب تلاتيني كده، بيتكلم بسرعة، وكتير، من النوع اللي مظهره بيخدم لتأكيد النمط المشهور عن الإشتراكيين الثوريين، من الشعر الطويل والهيئة الغير مهندمة عن قصد، أو انشغال، أو عدم اهتمام، أو التلاتة كلهم، بيدخن، فصيح في كلامه، وعنده قصص ثورية للصبح، ولستة محاضر متقدمة فيه يستغطى بيها. ومن ناحية أخرى، بيخدم لتأكيد النمط الإيطالي برضه، من العواطف الخاطفة والتشويح بالإيد والسجاير اللف اللي بياخد نفس منها كل تلت ساعة، والضحكة اللي بتختفي بعد ثانيتين. احنا كنا بنتكلم في إيه، أنا حاسس إني زودتها في دور الخاطبة.

بعد ما خلاص رسينا على إن مفيش مشكلة في كونه كوميونسيتا -اللي هي شيوعي يعني، مش اشتراكي زي اللي قاعدين، المنتميين لفكر تروتسكي- بدأ نبيل يتكلم عن نفسه والدور اللي بتلعبه نقابته في إيطاليا في الدفاع عن العمال وتمثيلهم، باستخدام أكبر كمية من العبارات الإيطالية الرائعة اللي نادرا ما بيحاول يقولنا هي معناها إيه، بس في الغالب بتبقى واضحة بالفهلوة وتشابهها مع الإنجليزية. الإيطالية عامة تحس إنها إنجليزي على لسان واحد إيطالي(تشبيه غريب يؤكد المعنى ويوضحه). نبيل عايش في إيتاليا من عشر سنين، وشغال في كوبّاس(بص، أنا نفسي أكتبلهالك بالحروف الإنجليزي والله عشان أبقى مثقف وكده، بس كل ما أكتبها الفورمات يبوظ والجمل تخش في بعضها)، ودي معناها إتحاد تجاري مستقل، وبيتعامل فيها مع المشاكل اللي بتواجه العمال في المصانع والشركات من استغلال، تأخير أجور، تأخير صرف حوافز، وكل الهلمة اللي بتيجي من أي حد عاوز يزود أرباح الشركة، على حساب التكلفة الوحيدة اللي يقدر يتحكم فيها وهي العمال. سواء انت عارف ولا مش عارف، العمال بيُستَغلوا -بفتح الغين- في أي شركة في العالم، سواء عالم أول أو ثالث، الفرق في النوع، ومصدر رأس المال. شركة زي آبل مثلا، معندهاش مانع، غير لما تنكشف، تشغل أطفال في خطوط إنتاجها وتجبر عمالها على عمل إضافي بدون أجر وعمالها ينتحروا فقط بسبب نسخة نموذج مبكرة من الآيفون الجديد تم فقدها(اقرا عن فوكس كون). وقيس على كده كل شركات الماركات والملابس اللي بتصنع في دول عالم تالت عشان العمالة الرخيصة، اللي هي رخيصة لسبب والله مش عشان مقدرتهم الفصالية العالية!، والصناعات المضرة بالصحة، زي الأسمنت اللي بينحسر في دول العالم الأول لضرورة توفير احتياطات صحية، لكن بيجيبوه عندنا من غير، وقشطة وزي الفل، ونكتبه في الإمتحان لما يسألنا عن صادرات مصر.

طبعا ده غير المخالفات الصريحة للعقود، اللي تفكرك بمشاكل الزمالك والإسماعيلي مع لاعيبتهم، زي عدم دفع الأجور لشهور تصل إلى سبعة شهور متواصلة، زي ماهو حاصل دلوقتي حالا مع عمال شركة مساهمة البحيرة مثلا، تأخير المستحقات المالية الأخرى، الرفد التعسفي، اللي لو انت مش متخيل قد إيه ده بشع، افتكر الكام يوم اللي قضيتهم في التربية العسكرية، اللي هي إجبارية عليك ومش حتتخرج غير بيها، وافتكر بقى دكتاتورية الضباط عليك وانت مش عارف ترد عشان لو اتكلمت كلمة غلط، حيلغيلك الدورة ولو في آخر يوم فيها، فتضطر توطي راسك وتنفذ الأمر السخيف. تخيل بقى انت بقالك سنين شغال في الشركة، وعشان لسة متثبتتش يقدر يرفدك في أي وقت، لأ وحتى لو اتثبتت كمان. دا غير تدخل الشرطة السافر في فض اعتصامات واضرابات العمال اللي هي من حقهم قانونا، واعتداءاتهم عليهم، وتركهم للبلطجية زي ما حصل في الزيوت من كام شهر. كفاية كده، احنا جايين نتكلم عن نبيل أصلا، مش نحكي عن الظلم والشر.

المهم، اللي نبيل بقى شغال فيها دي نقابة مترابطة أو متداخلة، يعني مش بس مثلا زي عندنا نقابة الصيادلة مثلا لوحدها، والمهندسين لوحدها، وهكذا، لأ، دي نقابة بتجمع عمال من مختلف الشركات ومختلف الصناعات. اللي بيحصل إن عمال الشركة لما بيقع عليهم ظلم بيجوله يشتكوله، وطالبين منه يتصرف ويرجعلهم حقوقهم. وخلينا نضرب مثال بخمس عاملات في فندق كان بيحكيهالي. أول حاجة، راح رافع قضية على الشركة بالظلم ده، عشان القانون بيقول إن مينفعش تفصل عامل وفي بينكو عيل. قصدي في بينكو قضية. فلازم يتبتّ في القضية الأول. بس ساعات -قول بنسبة خمسين في المية، وده كلامه- ده مبيمنعش الشركات إنها تفصلهم برضه، وساعتها هو بييجي رافع عليهم قضية تانية إنهم خالفوا القانون. دي حاجة، حاجة تانية، يقوم مسلط عليهم كل اللي يعرفهم من المفتشين اللي بيدوروا على مخالفات: صحة مثلا في مثالنا والذي منه. صداع يعني. وبعدين نيجي للعبة الحرفنة بقى: لو دول مثلا عمال معتصمين في مصنع، يقوم يخلي عمال تانيين في مصنع تاني ييجوا يعتصموا تضامنا معاهم، وعمال تانيين يضربوا في مصنعهم تضامنا مع الأولانيين. دي فايدة النقابة بقى، وبالذات فايدة إنها نقابة مترابطة بتجمع عمال من شركات مختلفة. قدرة نبيل إنه يعمل الكلام ده كله، مش عشان سواد عيونه ولا قدراته الدبلوماسية الفذة(تاني؟ متهدى يابني متجيبلناش الكلام)، إنما عشان اتفاقه معاك لما تيجي تعيطله إنك بتتظلم، إنه حيساعدك آه، لكن لما يطلب منك تتضامن مع ناس تانية متعرفهاش بتتظلم برضه، تتضامن. ده ممكن يبقى إنك تيجي تشارك في الإعتصام، وده هو بيظبطه عشان ميخليكش تفوت يوم بإنه مثلا يجيب عمال فترة ليلية، أو إنك تضرب في مصنعك ساعتين بس، أو إنك تصدر بيان تهدد بده وتعلن تضامنك.

تنظيم كل الإضرابات والإعتصامات، ونقل العمال من وإلى، والفلوس والإعاشة، ومن الآخر العمل على رد حق العمال ده مسؤولية النقابة. عشان تعرف مدى نجاح العمل ده، ومدى تأثيره على العمال، فرع بولونيا(اللي بتتكتب بولوجنا لسبب ما ميعرفوش إلا اللي اخترع الحروف السايلانت) في مدينة بولونيا(برضه، شفت إزاي؟) في سنة ونص جمعت 3500 عامل تحت مظلة النقابة، كل واحد منهم بيدفع أكتر بشوية من أجرة ساعة في الشهر، 8 يورو.

أنا بقى بقولك الكلام ده ليه؟ عشان ده بيجيب نتيجة، وبيجيب حقوق ناس غلابة فعلا، مخدوش نفس فرصتك في الحياة، ومقدامهمش غير إنهم يشتغلوا في مجال بيضطهدهم ويستغلهم زي ماهو عاوز لإنه عارف إنهم مضطرين وميقدروش يعارضوه، وحتى لما بيعارضوه بيستأسد عليهم بالبلطجية والداخلية(مش محتاج أستخدم حرف عطف هنا، هم الاتنين واحد). والإستغلال ده بالمناسبة في كل الشركات وكل الأوقات. فاكر عمال مساهمة البحيرة اللي قلتلك عليهم فوق مستلموش مرتب من سبع شهور؟ قبل السبع شهور دول كان ليهم مرتب خمس شهور برضه، ومخدهومش غير بإضراب واعتصام. مرتب والله، مش حوافز ولا مكافئات. يعني لازم الشغل يقف عشان يوافقوا يدوك مرتبك، وده حيأثر كل مرة على مرتبك، وعلى عمال بيتفصلوا، وعمال بيتعملهم خصم، والشركة تخسر. إيه لازمتها قلة الأدب يعني؟

تقدر بقى تعمل الموضوع ده إزاي؟ حظك حلو، لإن في ناس بتعافر بقالها سنين وبتحاول تعمله، وعاوزين ناس تساعدها. في حركة الإشتراكيين الثوريين، في مكتب اسمه مكتب العمال، ده اللي بيحاول يوصل للمرحلة بتاعت الكوباس اللي كلمتك عليه من التنظيم والوحدة العمالية. الناس دي مش طالبة حاجة كتيرة. طالبين حقوقهم بس، اللي هي ممكن تصعب عليك من قِلتها برضه حتى لو خدوها، ومع كده أصحاب رؤوس المال مش سايبينهم في حالهم، والدولة مؤيدة ومحرضة كالعادة. أنا مش بقولك بقى انزل مظاهرة ولا روح اعتصم عشان حد، ونقعد ننتاقش إن ده ملوش فايدة وحنخسر إيه غير نبحة الصوت، وخطر وحوارات، أنا بكلمك على حاجة ليها أثر إيجابي على أرض الواقع، ليها هدف وليها طرق توصل بيها للهدف، وحتكون بتعمل حاجة مادية ملموسة فعلا.

دي قصة نبيل الكوميونيستا.

Advertisements

A great man once said...

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s