نذير

انتفض من نومه يتحسس الهاتف ليوقف اصطدام صوت الرنين بأذنه كالمطارق. ظل في الفراش بضع دقائق ضاغطا الوسادة على رأسه النابض يلعن رفاق سُكرة البارحة. أقسم ألا يذوق الكأس ثانية. قسمٌ الحنث به هو أول ما سيفعله متى استحضروا زجاجات أخرى. جلس قليلا في الظلام ثم قام متثاقلا للحمام. ألقى نظرة على وجهه المبلل. أصدر سُبّة، المرآة مشروخة. نذير شؤم. سار بضع خطوات عائدا لحجرته قبل أن يتسمر في مكانه. مازال يرى الشرخ. نقل بصره فيما حوله في فزع، الفراش، الأرض، الحائط، المكتب. مازال يرى الشرخ. مد يده يتلمس الأشياء غير مصدق، رفع يده أمام عينيه كأنه سيتحسسهما، عاد إلى مرآة الحمام ينظر فيهما. لا شيء، عيناه على ما يرام.
جلس في عيادة الطبيب منتظرا. مالذي حدث بالأمس؟ لا يدري. يتذكر أقراصا، امرأة، واوراق لعب. ترك العيادة قبل أن يحين دوره. ذهب للعمل. وقف يتأمل مديره يعنفه على تأخره. المدير مشروخ أيضًا. يبدو مضحكا. جال بنظره فيمن بالمكتب. كانوا جميعا مشروخين. أعجبه وقع الكلمة في رأسه. مشروخين مشروخين مشروخين. غادر المكتب غير مبالٍ بمحدثه.
أصبح يعلم أنه سيموت اليوم. الآن ربما. علمُ يقينٍ لا يعلم كيف ولا لم اهتدى له. سار كثيرا يفكر. قادته قدماه المرهقتان إلى بيت بات ليلة تحته حزينا يوما ما.  شعر أن وداعها هو الوداع الوحيد الذي يريده، أو يريد أن يريده. أكمل السير دون أن ينظر إلى المنزل. خاف أن يصيبه الشرخ.
الرصيف شديد الإزدحام. ساعات الذهاب للعمل. هؤلاء جميعا يبحثون عن حياتهم، بينما هو يبحث عن موته. دوت الصافرات وتعالى صوتٌ هادرٌ من آخر النفق. سار نحو الحافة، قفز قفزة خفيفة، أراح جسده المنهك على القضبان الباردة. الصوت يقترب. أصوات صراخ. وَسَّد جبينه على القضيب واحتضنه بيدين مبللتان بالعرق. يداه مشروختان. القضيب مشروخ. الأصوات مشروخة. الصراخ يتزايد كأنما ينافس صوت النفق. قلبه ينتفض كأنما يستنجد منه. الضوء يزداد سطوعا. في اللحظة الأخيرة، فتح عينيه ليرى الموت. الموت مشروخ.

Advertisements

A great man once said...

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s