صابر

عم صابر لا يعلم أنه رجل ميت جدا. ستصدمه الحافلة التي تحمله من العمل كل مساء. وهي مفارقة قاسية حقا، فاليوم آخر يوم عمل له. هو أحد الكثيرين الذين علي انتزاعهم من أجسادهم اليوم. أتبعه منذ أيام. لا أرتاح لهذا الرجل، لماذا يجذبني إليه بهذه الطريقة؟ أول مرة انتزعت أحدهم تتبعته قبلها يومين، كان أمرا مملا لم أكرره. حكى لي قاتل ذات مرة عن أحاسيس متعددة تنتابه وهو يتعقب ضحاياه الغافلين. النشوة، الشفقة، اللامبالاة، السخرية، والمتعة. أتفهم ما يقول. أظنني كنت سأشفق عليهم. لو كان لي أن أشفق.
لا أحب هذا الصابر. هو لا يرتكب أيا من حماقات الأحياء. لم أر أحدهم يُقبّل زوجته ويلاعب صبيانه الثلاثة بمثل هذا الحب منذ زمن طويل. الرجل يسلك مسلك قديس بدون أن يكون واحدا -أنا جدير بالعلم لو كان- وهذا يجعلني أمقته. لو كان لي أن أمقت.
اقترب الموعد. هاهو ذا يخرج من مبناه يسير بعرجة ثقيلة. أكاد ألتصق به من فرط لهفتي على انتزاع روحه. أسرع أيها العجوز، يالَبطئك! الحافلة تقترب. هي من ذلك النوع الذي لا يتوقف تماما ليسمح للركاب بالصعود. فجأة التفت إليّ صابر. عيناه المنهكتان يلوح فيهما تهكم عابث ولمعان غريب. “الآن إذن؟” سألني بصوت كَأمَرّ ما سمعت. وقفت ذاهلاً بينما تحرك هو خطوتين للأمام ثم ألقى بنفسه تحت عجلتي الحافلة الضخمتين. أرسل صوت عظامه رجفة في كينونتي، انتزعتني منها صرخات المارة، ونظراتهم تعبر خلال روحه التي تنتظرني هادئة لأنتزعها من الجسد المحطم. خطوت خطوتين مخترقا من حوله وأنا أرتجف من نهر الصور التي تمر أمام عيني. حادث سيارة، ساق محطمة، ثلاثة أرواح لثلاثة صبية تنتظرني في حيرة، وروح زوجة تبكي بحرقة ويد جسدها الدافئ مازالت في كف زوجها المستعطف بلا جدوى. رفعتُ نظرة خائفة إلى روح العجوز الأعرج لتقابلني عيناه الحاقدتان. “أخيرًا أيها الموت!

Advertisements

A great man once said...

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / Change )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / Change )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / Change )

Google+ photo

You are commenting using your Google+ account. Log Out / Change )

Connecting to %s